جبل ثواب (سلع)
يصف الحديث النبي ﷺ ساجدًا في كهف بني حرام على جبل سلع، حتى ظن معاذ من طول سجوده أنه قُبض، ثم أخبره النبي ﷺ ببشارة الله لأمته، فكان سجوده شكرًا
اقرأ المزيد
يروي أبو قتادة رضي الله عنه قصة مؤثرة تدل على عظيم عبادة النبي ﷺ وخلوته بربه، فيذكر أن معاذ بن جبل رضي الله عنه خرج يبحث عن رسول الله ﷺ فلم يجده في بيوته، فظل يتتبّع أثره من طريق إلى طريق، حتى دُلَّ عليه في موضع يُعرف بجبل ثواب. فصعد معاذ الجبل، ونظر يمينًا وشمالًا، فإذا بالنبي ﷺ في كهفٍ اعتاد الناس المرور به في طريقهم إلى مسجد الفتح، وكان ﷺ ساجدًا بين يدي ربه سجودًا طويلًا.
نزل معاذ من أعلى الجبل والنبي ﷺ ما زال ساجدًا، فلم يرفع رأسه حتى ظن معاذ أن روحه قد قُبضت من شدة طول سجوده. فلما رفع النبي ﷺ رأسه قال له معاذ: يا رسول الله، لقد أسأت بك الظن، وظننت أنك قد قُبضت. فطمأنه النبي ﷺ وأخبره أن جبريل عليه السلام جاءه في هذا الموضع، وبلّغه سلام الله عز وجل، ثم قال له: «إن الله يقول لك: ما تحب أن أفعل بأمتك؟» فقال النبي ﷺ: «الله أعلم». ثم عاد جبريل عليه السلام فقال: «إن الله يقول: لا أسوءك في أمتك». عندها سجد النبي ﷺ شكرًا لله، وبيّن أن أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله هو السجود (1).
وقد علّق الإمام السمهودي على هذا الخبر موضحًا أن جبل ثواب لم يرد ذكره صريحًا في المصادر المعروفة، إلا أن القرائن تدل على أنه هو جبل سلع المشهور بالمدينة. ويؤخذ ذلك من وصف الكهف الذي كان الناس يتخذونه طريقًا إلى مسجد الفتح، وهو كهف بني حرام الواقع في شعب بني حرام من جبل سلع. والكهف – كما عرّفه أهل اللغة – هو شبه بيت منقور في الجبل.
ويصف السمهودي موقع هذا الكهف وصفًا دقيقًا، فيذكر أنه يقع عن يمين المتوجّه من المدينة إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية، قرب بطن شعب بني حرام، مقابل الحديقة المعروفة قديمًا بالنقبينة. كما يشير إلى مجرى سيل ينحدر من جبل سلع إلى وادي بطحان، وبجوار هذا المجرى يظهر أثر نقر ممتد في الجبل، وهو الموضع الأقرب لأن يكون الكهف المقصود في الرواية، خاصة أنه عند نزول المطر تجري فيه المياه وتبقى آثارها ظاهرة (2).
والذي يظهر – والله أعلم – أن جبل ثواب المذكور في الرواية هو نفسه جبل سلع المعروف اليوم، وهو أقرب الجبال إلى المسجد النبوي الشريف، إذ لا يبعد عنه سوى نحو خمسمائة متر، مما يزيد القصة قربًا وتأثيرًا، ويجعل موضعها شاهدًا على عظيم خلوات النبي ﷺ وسجوده وشفاعته لأمته.
---
المصادر
1. المعجم الأوسط للطبراني (9/49)، والمعجم الصغير (2/24).
2. وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي (3/45).
عرض أقل
الموقع على الخريطة
لا توجد كتب مرتبطة بهذا المعلم.
لا توجد مقالات مرتبطة بهذا المعلم.
لا توجد قيم مرتبطة بهذا المعلم.